صديق الحسيني القنوجي البخاري

81

فتح البيان في مقاصد القرآن

المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا بالعربية والأعرابي الذي يسكن البادية والعربي الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب . وَهذا أي القرآن لِسانُ أي كلام عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وسماه لسانا لأن العرب تقول للقصيدة والبيت لسانا أو أراد باللسان البلاغة فكأنه قال وهذا قرآن ذو بلاغة عربية وبيان واضح فكيف تزعمون أن بشرا يعلمه من العجم وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي تشيرون إليه وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه وأنتم أهل اللسان العربي ورجال الفصاحة وقادة البلاغة . فثبت بهذا أن الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحي أوحاه اللّه إليه ، وليس هو من تعليم البشر الذي تشيرون إليه ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو وحي من اللّه عزّ وجلّ وهاتان الجملتان مستأنفتان سيقتا لإبطال طعنهم ودفع كذبهم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 104 إلى 106 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) ولما ذكر سبحانه جوابهم وبخهم وهددهم فقال إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي لا يصدقون بها في علم اللّه لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الحق الذي هو سبيل النجاة وهداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب بآيات اللّه . ثم لما وقع منهم نسبة الافتراء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ردّ عليهم بقوله إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ فكيف يقع الافتراء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو رأس المؤمنين بها والداعين إلى الإيمان بها وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها فهم المفترون للكذب ، قال الزجاج : المعنى إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا اللّه كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة ، ثم سماهم الكاذبين فقال وَأُولئِكَ المتصفون بذلك هُمُ الْكاذِبُونَ أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم ، فهم الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات اللّه ، وقولهم إنما يعلمه بشر والتأكيد بالتكرار وإن ، وغيرهما ردا لقولهم إنما أنت مفتر . مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعل كفر سواء كان مختارا في ذلك أو مكرها عليه فالاستثناء في قوله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ متصل .